الأحد، ٦ فبراير ٢٠١١

موقف الإمام أحمد لما جاء الفقهاء إليه لتنحية الحاكم "الواثق"

وكان من مواقفه رحمه الله في تلك الفتنة العظيمة، موقف عظيم، يدل على تمسكه بالسنة، ورجائه لما عند الله جل وعلا فيما نحسب، ولا نزكي على الله أحدا، روى الخلال عن حنبل فقال: "اجتمع فقهاء بغداد إلى الإمام أحمد، وقالوا له في ولاية الواثق: إن الأمر قد تفاقم وفشا –يعنون القول بخلق القرآن وغير ذلك من ظلم السلطان، ثم قالوا: ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه، فغضب الإمام أحمد عليهم وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، لا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم واصبروا، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر، وقال لهم: ما أرى هذا صوابا -يعني: خلع أيديهم من طاعته ونزع البيعة- هذا خلاف الآثار" والإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه يقول ذلك، وقد جلده السلطان كما تقدم وآذاه، بل منعه أن يلقي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، لكن أهل السنة أهل عقل وإنصاف واجتماع، يخافون من الفتنة بين المسلمين، وسفك دمائهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم

المصدر من هنا.

السبت، ٥ فبراير ٢٠١١

والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البرّ والفاجر

قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ
والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البرّ والفاجر ، ومن ولي الخلافة ، واجتمع الناس عليه ، ورضوا به ، ومن غلبهم (1) بالسيف حتى صار خليفة ، وسُمي أمير المؤمنين .

(1) : في نسخة : عَلِيَهُم


الشرح
لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ


السمع والطاعة لأمير المؤمنين برّهم وفاجرهم ، من اجتمعت عليهم الأمة ، وصل إلى مرتبة الخليفة ؛ وصل بالسيف ، خرج على إمام قبله وتغلّب عليه ثم قامت دولته لا يجوز الخروج عليه ؛ لأنك إذا خرجت عليه مرة ثانية تخرج مرة ثالثة وتخرج مرة رابعة وتصبح الأمة في صراع من خارج إلى خارج ، لا ، الأصل لا يجوز الخروج ، فإذا سلّط الله على هذا الإنسان من خرج عليه وانتصر على دولته وقام على أنقاضه دولة جديدة ، فيجب أن يقف المسلمون عند هذا الحد ويسلمون القياد لهذا المتغلّب .
وهذا المتغلب سواء جاء عن طريق الاختيار والشورى والبيعة ، أو جاء عن طريق الغلبة وصل إلى الإمارة بالسيف وأصبح له شوكة وأصبح له قوة ـ بارك الله فيكم ـ يجب أن تسلم يجب أن تسلم له ، وتحقن دماء المسلمين ، فهذا سواء كان برّا أوكان فاجرا تجب له الطاعة .
وانظر إلى الإمام أحمد وانظر إلى البخاري ، وانظر إلى أئمة الإسلام جميعا يجعلون هذا أصلا من أصول الإسلام : ( طاعة ولاة المسلمين أصل من أصول الإسلام ) . وسواء كان برّا أو فاجرا .
الخوارج والروافض وغيرهم قد يوافقونهم إذا كان برّا ، وقد لا يوافقونهم .
إذا كان أبو بكر ليس برّا عند الروافض وعمر كذلك ليس برّا عند الروافض وعلي ليس برّا عند الخوارج ، لكن الصفات في العموم لا يخالفون فيها كونه برّا ؛ لكن يخالفون في الفاجر . الخليفة الفاجر الجائر الظالم الفاسق هذا ما دام لم يخرج من دائرة الإسلام فلا يجوز الخروج عليه بحال من الأحوال ، وورد في ذلك أحاديث كثيرة ، منها : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله حتى تروا الكفر البواح " فلا يجوز الخروج عليه مهما بلغ من الفسق .
وكما في حديث أم سلمة :" إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن أنكر فقد سلم ومن كره فقد برئ ، ولكن من رضي وتابع " .
قالوا : أفلا نقاتلهم يا رسول الله ؟ قال : " لا ، ما صلّوا " فما داموا يصلون فلا يجوز الخروج عليهم ، كيف إذا كان يصلي ويصوم ويزكي ويحج ، ويؤمّن كل هذه الأمور للمسلمين ويؤمّن لهم الطرق وإلى آخره ، كيف هذا ؟ !
أين نحن الآن من الثوريين الموجودين الآن ؟ أين هم من قوله :" لا ، ما صلّوا " ؟ الرسول ينهاهم " لا ، ما صلّوا " ، مع أنهم فرطوا في كثير من الإسلام وقال :" لا ، ما صلّوا " لا ، ما قال : لا ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجّوا ..وإلى آخره ، قال : " لا ، ما صلّوا " ؛ لماذا ؟ لأن الخروج يترتب عليه مفاسد ، ضياع الإسلام ، وضياع المسلمين ، وإهلاك الأمة ، وإهلاك الحرث والنسل ، وانتهاك الأعراض ،وإذلال المسلمين وإضعافهم ، حتى يصبحوا لقمة سائغة لأعدائهم ، إذا خروج ، بعد خروج ، بعد خروج ...
الآن يا إخوة هؤلاء الثوريون قامت لهم دول عن طريق الإنقلابات وعن طريق الانتخابات وعن طريق كذا وكذا ،ماذا صنعوا ؟ ماذا حقّقوا من الشعارات هذه ؟ من أبعد الناس عن تطبيق الشريعة الإسلامية ؛ بل يزيدون على الحكام الآخرين المنحرفين بعقد مؤتمرات وحدة الأديان وتشييد الكنائس وتقريب النصارى وإذلال المسلمين وإفقارهم وإهلاكهم في دينهم ودنياهم ، والله وصلوا بالانتخابات ووصلوا بالانقلابات ووصلوا بشتى الأمور ، وشاركوا في وزارات ، كلّه كلام فارغ ، ما تميزوا على غيرهم في شيء .
إذن لا تثق في هؤلاء ، هؤلاء همّهم الوصول إلى الكراسي بأي حال من الأحوال ، ثم بعد ذلك يديرون ظهورهم إلى الإسلام ! كما جرّبتم وعرفتم ، هنا وهناك في بلدان كثيرة ثم أحيانا يأتون بانقلاب باسم الإسلام فينقلب عليهم شيوعي أو أي منهج ضال آخر .
إذن الحكمة فبتوجيهات هذا الشارع الحكيم الرحيم الرؤوف الشجاع البطل والذي يربي الأمة على الشجاعة ، لكن في هذا الباب يقول لهم : اصبروا مهما رأيتم ، إلا الكفر .
هنا أحاديث أسوقها لكم حتى تسجّل :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وستكون خلفاء فتكثر " قالوا : وما تأمرنا ؟ قال :" فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقّهم ، فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم " كيف إن الله سائلهم عما استرعاهم ؟ ما قال : حاسبوهم ، ثوروا عليهم ، أخرجوا ، خذوا حقّكم لأن بعض الثوريين من كبارهؤلاء الثوريين يقول : ما ننتظر الفرج يأتينا من السماء ، لابد أن نأخذ حقّنا بأيدينا ، أيها الجماهير خذوا حقكم بأيديكم ، إنه لن تمتد إليكم أي يد بهذا الحق .
لا غيرة على دين الله وعلى الأمة ، وأغيرالناس محمد صلى الله عليه وسلم ، قال لسعد : والله أنا أغير منك ، والله أغير مني " لما قال سعد : أرأيت إذا وجدت رجلا مع زوجتي آتي بأربعة شهود ، والله لأضربنّه بالسف غير مصفح ، قال :" أتعجبون من غيرة سعد ، والله لأنا أغير منه ،والله أغيرمني من أجل ذلك حرّم الفواحش " ، فالرسول غيور على دين الله ، وغيور أن تتفشّى المنكرات والفواحش ، أغْيَرُ منّا .
ومع ذلك يقول :" أعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم " لست أنت الذي تحاسبه ، انصحه بالمعروف ، إن سمع وإلا أديت واجبك وعليك بالصبر ، ما دام يصلي ، نحن لا نقول هذا من عند أنفسنا ، لكن هذه ثقيلة على مسامع هؤلاء وشاقة على نفوسهم (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما )) [ النساء : 65 ] . ينادون بالحاكمية ثم لا يحكّمون الله ولا يحكّمون رسول الله ، أهل البدع يقولون بالحلول ووحدة الوجود ويكفّرون الأمة ويقولون بخلق القرآن لا يحكّمون حكم الله ، ولا يرضون الرجوع إلى حاكمية الله في مثل هذه القضايا ، فهم من أبعد الناس ، لا حكم إلا لله ، لا حكم إلا لله ، وهم من أشد الناس تمرّدا على حاكمية الله وعن الاحتكام إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، هذه الأحاديث ، هذا لعب ؟ عندهم هذا تأييد للكفار والملاحدة !
ثم عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها " أثرة ، يستأثر بالأموال والمناصب ولمن يؤيدونه ومن أنصاره وحاشيته وأقربائه ويبقى الناس في فقر ، ما يصنعون ؟ هذا ظلم هذا حكم بغير ما أنزل الله ، ماذا يقول الرسول الذي أنزل الله إليه (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) [ المائدة : 44 ] ، ماذا يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
أنتم أعرف بكتاب الله وأعرف بدين الله من رسول الله ومن صحابته الكرام ومن أئمة الهدى في كل زمان ومكان ؟
" وإنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها " أمور لا يعلمها إلا الله عزوجل ، قالوا : يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك ؟ قال : " تؤدّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم " ما تذهب تصادم وتعمل مظاهرات ، هل في الإسلام مظاهرات ؟ إذا قصّرفي الماء انقطع يوما قامت المظاهرات ، الآن الدول تعطي وما تأخذ ، أكثر الدول الآن تعطي للشعوب وما تأخذ منهم إلا القليل أما هؤلاء يأخذون ويستأثرون بالمال ما يعطون شيئا ويفقرونها لأنه إذا قال : اخرجوا هلكت الأمة ، فما بقي إلا أن يرشدهم إلى التعقّل والحلم والصبروالتريّث من أجل الحفاظ على الإسلام وحقن دماء المسلمين وصيانة أعراضهم " تؤدون الحق الذي عليكم " أدّوا الحق الذي عليكم " وتسألون الله الذي لكم " . وقال للأنصار :" إنكم ستلقون أثرة بعدي " الأنصار الذين قاتلوا معهم تبوّؤوا الدار والإيمان جاهدوا وناضلوا وفتحوا الدنيا ، ماذا قال لهم ؟
الآن جاء ناس يقطفون ثمار جهد الأنصار والمهاجرين ، أسلم كثير منهم بعد الفتح ، منهم أبو سفيان ومعاوية وجاء أولادهم ـ بارك الله فيكمـ استأثروا بالأموال هذه ، معاوية رضي الله عنه ما ندخله في هؤلاء لكن بنو مروان حصل عندهم ظلم ، وحصل عندهم شيء من الاستبداد وكانوا يؤخّرون صلاة العصر ويؤخّرون الصلاة عن أوقاتها ، وحصل عندهم خلل ، ومع هذا أدركهم الصحابة وكانوا يصبرون ، وجاءوا إلى أنس وقالوا : الحجّاج يفعل ويفعل ويسفك الدماء وينهب الأموال ويفعل ويفعل ، أشد من الحكام الآن الحجّاج ، هؤلاء عندهم الأنظمة سواء من الشرق أومن الغرب ، لكن هو فوضوي يحكم بهواه فقط ، يسفك الدماء . قال : اصبروا لا يأتي عام إلا والذي بعده شرّ منه ، أمرهم بالصبر، أخذ بتعليمات الرسول وتوجيهات الرسول التي يعرفها .
وعن علقمة بن وائل عن أبيه قال : سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله فقال : يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعونا حقّنا ، فما تأمرنا ، فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه . سؤال خطير ما يحبّه ، سؤال صعب ، ماذا يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام فجذبه الأشعث ابن قيس وقال :" اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم " قد يفهم القارئ من هذا القول أنه من قول أشعث بن قيس ، فلو فُرض أنه قول الأشعث فقد أقرّه رسول الله ، وأنتم تعلمون أنّ السنة قول الرسول وفعله وتقريره ، ولكن جاء من طريق أخرى بعد هذا قال رسول الله :" اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم " كيف أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا ، والرسول يعرض كلّ ما سأله ، ما أعجبه هذا السؤال ، لأنه يؤدي إلى الفتن فقال : " اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم " .
وحديث أم سلمة :" لا ، ما صلّوا ، تعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع " فأنت إذا أنكرت بقلبك ، قال مسلم بعده : " من كره بقلبه وأنكر بقلبه " . فجعل مسلم الإنكار بالقلب والكراهية بالقلب ، عرفتم هذه حال .
حديث آخر :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " ، الآن العالم مثلا ما ينكر بعض الأشياء إما خائف إما شيء آخر ، لكن كره بقلبه ، عميل جاسوس مجامل مداهن إلى آخر الاتهامات التي والله ما أخذوها إلا عن الشيوعيين ، هذه أساليب ليست أساليب مسلمين ، هذه أساليب الشيوعيين والثوريين والبعثيين والقوميين والأحزاب الضالة ، كيف يقبل بها الشاب المسلم ، علماء الإسلام وأهل الحق وأهل السنة والجماعة المتمسّكون بتوجيهات الرسول الكريم مثل هذه ومثل تقريرات أئمة الإسلام ، مثل مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم الأوزاعي والثوري ، كل هؤلاء عاصروا يعني حكومات عندها أخطاء وعندها انحرافات ، وأصلا ماذا جرى في عهد الإمام أحمد ؟ دولة تعطيل الصفات ، إلى مذهب جهم ، مذهب جهم عندهم كفر ، القول بخلق القرآن كفر عند أحمد وعند أهل الحديث في ذلك الوقت ، كانت الحكومة تدعو إلى الكفر مع ذلك يريدون أن يخرجوا فيأبى الإمام أحمد ، وقال : " هذا فيه فساد وفيه ضرر على المسلمين " ، فزجرهم ، كيف أحمد جبان ؟ أحمد عميل ؟
السلف الذين أخذوا بهذه الأدلة وقاوموا الخوارج وقاوموا أهل الفتن من المعتزلة وغيرهم عملاء وجواسيس ؟ يعني والله يحاربون أهل السنة بأساليب الشيوعيين والبعثيين والقوميين والأحزاب الملحدة ، فكيف تستخدم هذه الأساليب في حق المسلمين وكيف لا تأخذون بهذه الأدلة ؟ ولم لا تعذرونهم وعندهم هذه الأدلة ؟ أنا الآن لا أريد أن أخرج أرى أن الحاكم كفر الكفر البواح ، أنا ما كفّرت ، أنت ذهبت مذهب الخوارج وكفّرته ، أتركني في حالي أخي لا تهنّي يا أخي ، أنت يجب أن تسمع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" ما أقاموا الصلاة " ، " ما صلّوا " ، " حتى تروا كفرا بواحا " .
الآن ما عرفنا عالما معتبرا ، قال يعني في بعض الحكام يعني الشيخ ابن باز تعرفون أنه كفّر بعض الحكام ، وبعض العلماء كفّر بعض الحكام منهم يستحق التكفير ، لكن بعض الحكام ما يزال في دائرة الإسلام وإن انحرفوا في دائرة الإسلام ما أحد كفّرهم .
هل هناك مثلا عالما معتبرا من أهل السنة من أنزه الناس قال بكفر فلان وفلان من الحكام الآن ؟ ما نجد إلا السفهاء والجهلة وأحلاس المعتزلة والخوارج هم الذين كفّروا ، الذي يكفّر الحكام والشعوب ، والذي يكفر الحكام والجيش ، كلها مستمدة من مدرسة سيد قطب ، الذي هدّم أصول السنة ، وتعلق بأصول أهل الضلال جميعا ما من أصل فاسد إلا تبنّاه سيد قطب وما من أصل من أصول أهل السنة إلا وهدمه ، ومنها تكفير الأمة ، ومنها الأصل الذي ينبني عليه هذا التكفير أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، الإيمان إما إيمان مائة في المائة وإما كفر ، فقط إيمان كفر، أما إنسان عنده معاص إذا أطاع مشرّعا في جزئية فقد كفر وخرج من دائرة الإسلام نهائيا .
الخوارج وصلوا إلى هذا الحد ؟ فنحن نأمل من الشباب أن يتفقهوا .

الآن تستخرج النصوص والأدلة وتبين ضلال هذا الرجل ما يقبلون منك ، ما يقبلون منك الحق ، أبوا أن يبحثوا عن الحق يا إخوة ، أبوا أن يقفوا موقف العقلاء من هذه الفتنة التي ضربت أطنابها في مشارق الأرض ومغاربها وحيّرت شباب الأمة وبلبلت عقولهم ، وضربت بعضهم ببعض ، وغرست العداوة والبغضاء ، ما يريدون أن يتبصّروا ويدرسوا الأمور ، ويعرفون من يقودهم وما هم منهجه ، وماهي عقائده وماهو فهمه للإسلام ، لا يريدون هذا ، لا يريدون هذا ، (( جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا )) [ نوح : 7 ] .
والله يا إخواني سلكوا هذه المسالك السيئة ، فنحن نقول هذا الكلام وإن كان فيه قوة حتى يستيقظوا إن كان عندهم عقول ، وإن كان عندهم احترام لنصوص القرآن والسنة ولفهم السلف الصالح ، عليهم أن يتعقّلوا في هذه الأمور العظيمة الخطيرة التي وصلت فيها الأمة إلى درجة لم تصلها من قبل على يد سيد قطب وأتباعه .
نحن الآن ركّزنا على هذا الأصل لما يحيط به من الفتن واحفظوا هذه النصوص ، فإننا ندين الله بها إلى أن نلقاه ، ولا يمكن أن يجرّنا صاحب هوى ولا صاحب انحراف إلى خلاف هذا المنهج .



المصدر :
شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ
لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ ( ص : 71 ـ 80 ) .

هل من خصائص الاسلام القيام بالانقلابات و الثورات؟


يقول السائل :
هل من خصائص الاسلام القيام بالانقلابات و الثورات و هل هي من الجهاد في سبيل الله التي دعا اليها ديننا الاسلامي؟

جواب الشيخ:لو كان السؤال هل الفوضى و مسببات سفك الدماء بغير حق من الاسلام؟
(...)
تكملة لسؤال الانقلابات و الثورات هذه الاعمال من أشد ما فشت في البلاد الاسلامية و اذا نظرنا الى الكفار, فمثلا دولة اليهود وهي مجمعة من كل اطراف الدنيا لم يوجد فيها انقلاب في يوم من الايام, الدول الكبرى الشرقية و الغربية لم نجد فيها انقلاب أو ثورات و ما زالت, لا يقوم بالثورات و الانقلابات الا من لا يهتم بمصالح أمته و لا يرعى ذمتها فهي من أسباب (...) الأمة و زرع الاحقاد و سفك الدماء و تسليط الأعداء, الشر فيها غالب و الخير إما أن يكون ضئيلا قليلا و إما ان يكون معدوما
وأول انقلاب وجد بالنسبة للمسلمين الخروج على عثمان رضي الله عنه و قتله رضوان الله عليه و جميع الصحابة رضي الله عنهم مجمعون على فساد ذلك العمل و الواجب على كل مسلم أن يبرأ من هذه الأمور (...)
صلى الله عليه و سلم عنه ذلك و أمر بالسمع و الطاعة و نهى عن الخلاف و لما اجتمع علماء بغداد (...) و جاؤوا الامام احمد يريدون أن يتكلموا في حق الخليفة العباسي غضب عليهم و أنذرهم و شدد عليهم رضي الله عنه و أن عملهم عمل خطير منكر و الخير في اتباع السلف.
(...) كلمات غير مفهومة

المصدر من هنا.

كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه

فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة
...
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال "له عثمان: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. قال له "ابن عمر": أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه.

المصدر من هنا

أسباب النصر والتمكين ( في الماضي والحاضر)

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وكان من حكمته لكل نصر أسباب وشؤون ، ليميز الخبيث من الطيب ؛ فإما أن تكون على الهدى أو لا تكون . أنزل الكتاب ، وأجرى السحاب ، وهزم الأحزاب ، وجعل كيد الكافرين إلى تباب ، ونهايتهم إلى هلكة وعذاب ؛ وديارهم إلى تشتت وخراب ؛ لكن ... متى ؟ فاتعظوا يا أولي الألباب .
وصلى الله وبارك على محمد الذي أجهد بالدعاء نفسه قبل أن يشتد الوطيس ، وهيأ رجالاً ملأ الإيمان قلوبهم ؛ فكانت مرحلة الإعداد والتأسيس ، ثم اشتد على الكفار فلا ترى لهم حراكاً ولا يُسمع لهم حسيس .
أما بعد ؛
فما إن تمرّ بالمسلمين فتنة جديدة حتى تتعالى الصرخات وتكثر الآهات ؛ متسائلين عن أسباب النصر والتمكين ، وأين حماة الإسلام والمسلمين ؟!
وكلنا يعلم أن النصر من عند الله ، قال الله تعالى : { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } [ آل عمران : 126 ] .
إذن فلا يصحُّ أن يوجّه السؤال عن النصر إلا لمالك النصر .
والله سبحانه وتعالى بيّن لنا كل ما نحتاج إليه في ديننا ودنيانا في الرسالة التي أرسل بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وهي الكتاب والسنة ، فبلّغ صلى الله عليه وسلم تلك الرسالة خير بلاغ ، ولم يقبضه سبحانه وتعالى حتى أكمل الدين ، قال عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة : 3] .
وأمرنا تبارك وتعالى بالتمسك بالكتاب والسنة علماً وعملاً فقال : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا } [ آل عمران : 103] .
وقال : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [ النساء : 59] .
وقال : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7] .
وقال عليه الصلاة والسلام : " كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى " ، قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : " من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى " أخرجه البخاري .
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
وحذرنا سبحانه من مخالفة أمر النبي صلى الله علي وسلم فقال : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] .
وقال : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } [ النساء : 115 ] .
إذا فلا بد من الرجوع إلى شرع الله لمعرفة أسباب النصر والتمكين وللوصول إليها .
قال سبحانه وتعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } [ الحج 40 – 41 ] .
قال الشيخ ابن عثيمين في مجلس من " مجالس شهر رمضان " :
" وفي هاتين الآيتين بيان الأوصاف التي يُسْتَحَقُّ بها النصر , وهي أوصاف يتحلى بها المؤمن بعد التمكين في الأرض ، فلا يغريه هذا التمكين بالأشر والبطر والعلو والفساد ، وإنما يزيده قوة في دين الله وتمسكا به ؛
الوصف الأول : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة } [ الحج : 41 ] ، والتمكين في الأرض لا يكون إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده كما قال تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا } [النور : 55 ] ، فإذا قام العبد بعبادة الله مخلصا له في أقواله وأفعاله لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة , ولا يريد بها جاها ولا ثناء من الناس ولا مالا ولا شيئا من الدنيا ، واستمر على هذه العبادة المخلصة في السراء والضراء والشدة والرخاء مكن الله له في الأرض , وإذن فالتمكين في الأرض يستلزم وصفا سابقا عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له وبعد التمكين والإخلاص يكون ؛
الوصف الثاني : وهو إقامة الصلاة بأن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب منه قائما بشروطها وأركانها وواجباتها , وتمام ذلك القيام بمستحباتها , فيحسن الطهور , ويقيم الركوع والسجود والقيام والقعود , ويحافظ على الوقت وعلى الجمعة والجماعات , ويحافظ على الخشوع وهو حضور القلب وسكون الجوارح , فإن الخشوع روح الصلاة ولبها , والصلاة بدون خشوع كالجسم بدون روح ، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها » .
الوصف الثالث : إيتاء الزكاة { وآتوا الزكاة } بأن يعطوها إلى مستحقيها طيبة بها نفوسهم كاملة بدون نقص يبتغون بذلك فضلا ورضوانا ، فيزكون بذلك أنفسهم ، ويطهرون أموالهم ، وينفعون إخوانهم من الفقراء والمساكين وغيرهم من ذوي الحاجات , وقد سبق بيان مستحقي الزكاة الواجبة في المجلس السابع عشر .
الوصف الرابع : الأمر بالمعروف { وأمروا بالمعروف} والمعروف : كل ما أمر الله به ورسوله من واجبات ومستحبات , يأمرون بذلك إحياء لشريعة الله وإصلاحا لعباده واستجلابا لرحمته ورضوانه , فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , فكما أن المؤمن يحب لنفسه أن يكون قائما بطاعة ربه فكذلك يجب أن يحب لإخوانه من القيام بطاعة الله ما يحب لنفسه .
والأمر بالمعروف عن إيمان وتصديق أن يكون قائما بما أمر به عن إيمان واقتناع بفائدته وثمراته العاجلة والآجلة .
الوصف الخامس : النهي عن المنكر { ونهوا عن المنكر } , والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها مما يتعلق بالعبادة أو الأخلاق أو المعاملة ، ينهون عن ذلك كله صيانة لدين الله وحماية لعباده واتقاء لأسباب الفساد والعقوبة .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها حتى لا تتفرق بها الأهواء وتتشتت بها المسالك , ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع القدرة { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } [ آل عمران : 104 - 105 ] ، فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفرق الناس شيعا ، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون ، وبه فضلت هذه الأمة على غيرها { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ آل عمران : 110 ] ، وبتركه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } [ المائدة : 78 - 79 ] ، فهذه الأوصاف الخمسة متى تحققت مع القيام بما أرشد الله إليه من الحزم والعزيمة وإعداد القوة الحسية حصل النصر بإذن الله " .
قلت : وأخرج أبو داود في " سننه " (3462) ، وغيره عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " . وهو حديث صحيح ، صححه جمع من أهل الحديث .
بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أن السبب الرئيسي في وقوعنا في الذل ، وتكالب الأمم علينا ؛ هو ركوننا إلى الدنيا والانشغال بها عن الآخرة وعدم المبالات بأوامر الله ، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ مما سبب انتشار الفواحش والمنكرات في مجتمعاتنا ؛ الأمر الذي أوصلنا إلى الحال الذي نحن عليه اليوم.
ويوضّح لنا هذا المعنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الأثر الذي أخرجه الحاكم في " مستدركه " (1/103 – العلمية ) عن طارق بن شهاب أنه قال : خرج عمر بن الخطاب إلى الشام و معنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة و عمر على ناقة له فنزل عنها و خلع خفيه فوضعهما على عاتقه و أخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا تخلع خفيك و تضعهما على عاتقك و تأخذ بزمام ناقتك و تخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك فقال عمر : أوه لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه و سلم إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله " .
فماذا سيفعل الله بأمة طلبت العزة بالديمقراطية ، والشيوعية ، والحزبية ، والرأسمالية، وغير ذلك من سبل الفساد ؟!
وأخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن جبير بن نفير قال : لما فتحت مدائن قبرص وقع الناس يقتسمون السبي ويفرقون بينهم ويبكي بعضهم على بعض فتنحى أبو الدرداء ثم احتبى بحمائل سيفه فجعل يبكي ، فأتاه جبير بن نفير فقال : ما يبكيك يا أبا الدرداء ؟ أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ وأذل فيه الكفر وأهله ؟! فضرب على منكبيه ثم قال : ثكلتك أمك يا جبير بن نفير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك ؛ حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى ؛ وإنه إذا سُلِّط السباء على قوم فقد خرجوا من عين الله ليس لله بهم حاجة .
فما أهوننا على الله إذ ضيعنا أمره ، وما أهوننا على الله إذ صار كل أمر في حياتنا أولى وأهم من أمره ، وما أهوننا على الله إذ صارت فرائضه وأوامره نوافل عندنا نتذكرها إذا فرغنا من كل ما هو أهم منها ، فإنا أخرنا نصره فأخّر نصرنا .
فمن أراد النصر بصدق فليبادر إلى التوبة وإصلاح نفسه أولاً ثم يشتغل بإصلاح الآخرين ؛ عسى الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين .
واعلم أنه لن ينفعك أن تأخذ ببعض الدين الذي يوافق هواك وتترك بعضه الذي لا يوافق هواك ؛ مفرّقاً بين اللب والقشور في زعمك ؛ بل دين الله كله لب ، وكله مطلوب مأمور به ؛ قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } ، أي : ادخلوا في جميع جوانب الإسلام .
وإذ علمت ذلك ؛ فاحكم أنت على من قال في الخميني رأس الكفر إنه الأب الروحي لدعوتنا ، ومن قال : لا يضرّني أن يتشيّع أهل بلادي ، ومن قال : نحن لا نجبر النساء على الحجاب ؛ إذ لا إكراه في الدين ؛ هل سينصر الله أمثال هؤلاء ؟!
وأسأل الله أن يردّ المسلمين إلى دينهم ردّاً جميلاً وأن ينصرهم ويثبّتهم وأن يصبر أهل غزة على مصابهم وأن يربط على قلوبهم .

المصدر من هنا

الخروج على الولاة لإنكار المنكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛
فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
:
" ... ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه ؛ ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف ؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب .
وإذا كان قوم على بدعة أو فجور ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك ولم يمكن منعهم منه ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم ينهوا عنه .
 بخلاف ما أمر الله به الأنبياء وأتباعهم من دعوة الخلق ؛ فإن دعوتهم يحصل بها مصلحة راجحة على مفسدتها كدعوة موسى لفرعون ونوح لقومه فإنه حصل لموسى من الجهاد وطاعة الله وحصل لقومه من الصبر والاستعانة بالله ما كانت عاقبتهم به حميدة وحصل أيضا من تغريق فرعون وقومه ما كانت مصلحته عظيمة .
 وكذلك نوح حصل له ما أوجب أن يكون ذريته هم الباقين وأهلك الله قومه أجمعين فكان هلاكهم مصلحة . 

فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي وكان النهي مصلحة راجحة كان حسنا ، وأما إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته ؛ لم يشرع إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة ، فإن أدى ذلك إلى شر أعظم منه لم يشرع ؛ مثل أن يكون الآمر لا صبر له فيؤذى فيجزع جزعا شديدا يصير به مذنبا وينتقص به إيمانه ودينه .
 فهذا لم يحصل به خير لا له ولا لأولئك ؛ بخلاف ما إذا صبر واتقى الله وجاهد ولم يتعد حدود الله بل استعمل التقوى والصبر ؛ فإن هذا تكون عاقبته حميدة .
وأولئك قد يتوبون فيتوب الله عليهم ببركته وقد يهلكهم ببغيهم ويكون ذلك مصلحة كما قال تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين }" . مجموع الفتاوى ( 14/ 472-473 ) . والله أعلم

المصدر من هنا

الجمعة، ٤ فبراير ٢٠١١

شروط التكفير وموانعه

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله- : " وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق ؛ أن ينظر في أمرين ؛
أحدهما : دلالة الكتاب والسنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق
الثاني : انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع " . "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ " (3/343) .
وقال الإمام الشافعي – رحمه الله - : " لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته ، ولا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ، لأن القرآن نزل بها ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول ؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر ، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل ، لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل ، ولا بالرؤية والقلب والفكر ، ولا نكفر بالجهل أحداً إلا بعد انتهاء الخبر إليه " . انتهى
عزاه الحافظ ابن حجر قي الفتح ( 13 / 407 ) ، وابن جماعة في إيضاح الدليل ؛ ل "مناقب الشافعي " لابن أبي حاتم ، وسنده صحيح .
وقال ابن العربي المالكي – رحمه الله - : " فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً وكافراً ؛ فإنه يعذر بالجهل والخطأ ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله " . ذكره القاسمي في " محاسن التأويل " ( 5 / 1307 ) .
وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله - : " فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين؛
أحدهما : أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول ، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق ، فنفي الصفات كفر ، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة ، أو أنه على العرش ، أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى ، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث .
والأصل الثاني : أن التكفير العام ـ كالوعيد العام ـ يجب القول بإطلاقه وعمومه .
وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين؛ فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه " ." مجموع الفتاوى " ( 12/497-498 ) .
وقال – رحمه الله - : " فإن نصوص " الوعيد " التي في الكتاب والسنة ، ونصوص الأئمة بالتكفير و التفسيق ونحو ذلك ؛ لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين ؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع . هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد ، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه " القاعدة " سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال .
فأما أحكام الدنيا فكذلك أيضا ؛ فإن جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقا بدعوتهم ؛ إذ لا عذاب إلا على من بلغته الرسالة وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت إلا بعد قيام الحجة " ( 10/372) من مجموع الفتاوى .
وانظر مجموع الفتاوى ( 3/354 ، 7/619 ، 12/487 – 488 ، 497 – 498 ، 523 – 524 ، 23/345 ، 28/500 – 501 ، 35/165 ) .
موانع التكفير :
1-
عدم التكليف :
غير المكلف ؛ كالصبي والمجنون إذا وقع في الكفر ، لا يقع عليه الكفر ؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المبتلى حتى يبرأ ، وعن الصغير حتى يكبر" وفي رواية : " وعن المجنون حتى يعقل " أخرجه أحمد ( 6/116) ، وأبو داود (4398) ، والنسائي ( 3432) ، وابن ماجه (2042) ، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما ، وهو صحيح انظر تخريجه في " البدر المنير " (3/225) .
قال ابن المنذر – رحمه الله - : " وأجمعوا أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم على ما كان قبل ذلك " " الإجماع " ( ص 128 ، دار المسلم ) .
وقال ابن قدامة في " المغني " (10/73) : " إن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ، ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء يباح شربه ؛ فلا تصح ردته ولا حكم بكلامه بغير خلاف ... ثم نقل كلام ابن المنذر في " الإجماع " .
وقال – رحمه الله – (10/100) : " ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لأنه لا قول له ... " .
وقال النووي في " روضة الطالبين " ( 10/71) : " فلا تصح ردة صبي ولا مجنون ، ومن ارتد ثم جن فلا يقتل في جنونه " .
وبهذا يتبين أن التكليف شرط في تكفير المعين ، وعدمه مانع منه .
2. 3. 4. الجهل والخطأ والنسيان :
تقدم قول الإمام الشافعي – رحمه الله - : " ... فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر ، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل ؛ لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل ، ولا بالرؤية والقلب والفكر ، ولا نكفر بالجهل أحداً إلا بعد انتهاء الخبر إليه " .
وكذلك تقدم قول ابن العربي : " فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً ؛ فإنه يعذر بالجهل والخطأ ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله " .
وقال الإمام ابن تيمية
– رحمه الله - :
" والأصل الثاني : أن المقالة تكون كفراً ؛ كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده ؛ كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام ، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول ... " " مجموع الفتاوى " ( 3/354) .
وقال
– رحمه الله- : فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما عاما في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له ؛ فإن من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية . وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت ؛ لعدم بلوغ الحجة له ؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم ؛ فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع . " مجموع الفتاوى " (3/354) .
وانظر " مجموع الفتاوى" ( 3/230 ، 354 ، 7/617 ، 11/407 ، 12/180 ،20/33 ،33/135 ، 35/165 ، 37/23 ) .
وقال ابن عثيمين
– رحمه الله - في تتمة كلامه الذي تقدم عنه : " ومن أهم الشروط – أي : شروط تكفير المعين – أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له " ." مجموع الفتاوى والرسائل " ( 3/343)
وقال : " ومن الموانع أيضاً أن يكون له شبهة تأويل في المكفر بحيث يظن أنه على حق ؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في قوله - تعالى -: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله -تعالى-: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} .
قال في المغني ( 8/131 ): "وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك -يعني يكون كافراً - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين ، وأموالهم ، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله - تعالى - إلى أن قال-: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم ، وأموالهم ، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم ، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا" .
وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية( 13/30 ) مجموع ابن القاسم: "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن ، لم يقصدوا معارضته ، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه ، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" .
وفي (ص 210 ) منه : "فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم . . وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ، ولا اتباع للسنة ، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن".
وقال أيضاً (28/518 ) من المجموع المذكور: "فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم ، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين" . لكنه ذكر في 7/217 "أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره ، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع" .
وفي (28/518) : "أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره" .
وفي (3/282 ) قال: "والخوارج المارقون الذين أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين ، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وغيرهما من الصحابة ، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام ،وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم ، لا لأنهم كفار . ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم ، وإذا كان هؤلاء الذي ثبت ضلالهم بالنص ، والإجماع ، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم ، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى ، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة ، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه" . إلى أن قال:"وإذا كان المسلم متأولاً في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" . إلى أن قال في ص 288 : "وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره . . والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله -تعالى -: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} . وقوله : {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}. وفي الصحيحين عن النبي، صلى الله عليه وسلم : "ما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين".
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً ، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً ، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة ، والاعتبار ، وأقوال أهل العلم " .(2/136 -138).
وانظر " مجموع الفتاوى والرسائل للشيخ ابن عثيمين ( 2/124 – 140، 3/ 342 ، 7/42 ، 10/744 ) .
تنبيه :
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
الجاهل بما يترتب على المخالفة غير معذور إذا كان عالمًا بأن فعله مخالف للشرع كما تقدم دليله ، وبناء على ذلك فإن تارك الصلاة لا يخفى عليه أنه واقع في المخالفة إذا كان ناشئًا بين المسلمين فيكون كافرًا وإن جهل أن الترك كفر .
نعم إذا كان ناشئًا في بلاد لا يرون كفر تارك الصلاة وكان هذا الرأي هو الرأي المشهور السائد بينهم ، فإنه لا يكفر لتقليده لأهل العلم في بلده ، كما لا يأثم بفعل محرم يرى علماء بلده أنه غير محرم ؛ لأن فرض العامي التقليد لقوله - تعالى - : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } . والله الموفق. " مجموع الفتاوى والرسائل " ( 2/ 138) .
وقال : الإمام ابن تيمية : وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا ، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك ، فلم يصلوا إلى مقصودهم ؛ فإنه لم يقل : هموا بما لم يفعلوا لكن { بما لم ينالوا } فصدر منهم قول وفعل قال تعالى : { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } فاعترفوا واعتذروا ؛ ولهذا قيل : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا ، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر ، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه ، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ، ولكن لم يظنوه كفرا ، وكان كفرا كفروا به ؛ فإنهم لم يعتقدوا جوازه ... " . " مجموع الفتاوى " ( 7/ 273 ) .
5 - عدم إرادة الفعل :
قال ابن عثيمين – رحمه الله - : " ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ، ولذلك صور منها: أن يكره على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئناناً به، فلا يكفر حينئذ، لقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم }.
ومنها أن يغلق عليه فكره، فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك ؛ ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حتى يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح". " مجموع لفتاوى والرسائل " (3/343) .
وقال : " ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده ، بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو غضب أو خوف أو نحو ذلك ،لقوله تعالى -: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً} وفي صحيح مسلم (2104 ) عن أنس بن مالك -رضي الله عنه - : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ،فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي ، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" . " مجموع الفتاوى والرسائل " (7/43) .
وقال ابن القيم
– رحمه الله – في " إعلام الموقعين " (3/ 63 – 64) : " والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهاً لمّا لم يقصد معناها ولا نواها ؛ فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرها لا يلزمه شيء من ذلك ؛ لعدم نيته وقصده ، وقد أتى باللفظ الصريح ؛ فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به ، والله تعالى رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل ، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة ، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك ، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد ، وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة ، فأيس منها ثم وجدها فقال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك " أخطأ من شدة الفرح " ، ولم يؤاخذ بذلك .... " . انتهى
وقال عند كلامه عن اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ (3/75 - 76) : " وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر ... " إلى أن قال : " وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " أخطأ من شدة الفرح لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر ؛ لكونه لم يرده ، والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته بخلاف المستهزئ والهازل ؛ فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلا ؛ لأنه قاصد للتكلم باللفظ وهزله لا يكون عذرا له بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله ، أو مأذون له فيه ، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود ؛ فهو متكلم باللفظ مريد له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل .
والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرا صارفا بل صاحبه أحق بالعقوبة ألا ترى أن الله تعالى عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولم يعذر الهازل بل قال { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي . انتهى . وانظر " مدارج السالكين " (1/209) .
6 - الإكراه :
قال الإمام البغوي
– رحمه الله – في تفسيره ( 5/ 46 ) : " وأجمع العلماء على أن من أكره على كلمة الكفر ؛ يجوز له أن يقول بلسانه ؛ وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً ، وإن أبى أن يقول حتى قتل كان أفضل " .
وقال القرطبي
– رحمه الله – في تفسيره ( 10/ 182 ) : " أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما.
وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال الله تعالى: " إلا من أكره " الآية.
وقال: " إلا أن تتقوا منهم تقاة " ، وقال: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض " الآية.
وقال:{ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } الآية.
فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به، قاله البخاري . انتهى
وقال الإمام الشافعي
– رحمه الله – في " الأم " ( 6/ 175 ) : " ولو أن رجلاً أسره العدو فأكرهه على الكفر لم تبن منه امرأته ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتد ؛ قد أكره بعض من أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الكفر فقاله ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما عذب به ؛ فنزل فيه هذا ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب زوجته ولا بشيء مما على المرتد " . انتهى
وقال ابن عثيمين
– رحمه الله - : " ومن الموانع أن يكره على الكفر لقوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليه غضب من الله ولهم عذاب عظيم } . والله أعلم 

المصدر من هنا